الخميس، 19 ديسمبر 2019

الشاعر الاديب الكبير محمد الرحالي قصة قصيرة بعنوان مستشفى المجانين تحياتي

قصة قصيرة       
 مستشفى المجانين
داس على فرامل سيارته فجأة وسط الطريق ، واستغرق في ضحك متواصل وهو يضرب بكلتا يديه مقود السيارة ، وأخذ ينظر إلى  ابنته هاجر  الجالسة بجانبه  التي كانت تنظر إليه في دهشة، وقبل أن تبادر بسؤاله ، قال لها وهو يغالب الضحك :
- أترين مستشفى المجانين على يسارك ؟
أومأت إليه برأسها الصغير بالإيجاب ، بينما هو استطرد قائلا :
- ذات مساء بينما كنت عائدا للمنزل مشيا على الأقدام ،توقف أمامي  بسيارة هذا المستشفى جارنا مسعود  ، وعرض علي أن يقلني إلى المنزل بعد أن يوصل بعض الأوراق إلى إدارة المستشفى فوافقت على الفور وركبت معه ..وما إن بلغنا مقصده حتى خرج مسرعا يحمل أوراقا وبقيت أنا داخل السيارة أنتظره ، وما هي إلا لحظات حتى شعرت بيد تطوقني بقوة وحاولت التملص منها بكل قوتي وإذا بي أشعر بشخص ثاني وثالث يخرجونني من السيارة بعنف وأخذت أقاومهم وأصرخ أتركوني .. ولما تفرست بملابسهم عرفت أنهم الممرضين بالمستشفى .
 فازاداد  صراخي  ومناداتي على صاحبي ..بينما هم تعاملوا معي وكأنهم لا يسمعونني ولا يرون دموعي التي فرت من عيوني رغما عني ، لكني لم أستسلم لهم  وحاولت بكل قوتي دفع أحدهم وأنا أردد :
 - أنا لست مجنونا أنا .. أنا عاقل .
فتبسم أحدهم وأظنه كان رئيسهم فقد كان يأمرهم فيطيعونه وقال لي بنبرة حنونة :
- ومن قال لك يا بني  أنك مجنون أنت فقط ..
وقبل أن يكمل كلامه قلت له في غضب :
- إذن أتركوني  أذهب لحال سبيلي .
- سنفعل ذلك بعد أن يفحصك الدكتور .
ولما سمعت منه ذلك انتفضت كالخروف بعد ذبحه ..ولم أشعر بنفسي إلا وأنا مطوق بوزرة بيضاء ولا أدري لم افتكرت في تلك اللحظة نفسي كأنني رضيع لا حول له ولا قوة .. ملفوفا في أثواب بيضاء جميلة ومربوطا بخيط من الصوف فهذا كان دأب أمهاتنا مع الرضع إنها  "لكماطة " والأم التي لا تعرف كيف تفعل ذلك حتى لا يتأذى رضيعها من حركة مفاجئة وهو نائم يسمونها " غشيمة"
حين شعرت بالمخدر في جسمي وتثاقل ورغبة في النوم لم أعد أرى إلا خيالات أمامي ..وكان آخر كلام  سمعته قبل أن أغيب عن الوعي
كيف تمكن سي مسعود من إحضاره إلى هنا دون مقاومة ؟ ! ولماذا لم يخبرنا كي نحتاط منه ؟  ليس هذا ما عهدناه فيه ..عندما  أراه سيكون لي معه كلام آخر .
ولم أدر كم مر من الوقت حين أفقت على صوت جارنا وهو يناديني  : يا جاري العزيز .. أخيرا زال المخدر من جسمك  ، قم هيا لنخرج من هنا سريعا فعائلتك قلقة عليك كثيرا وقد تركتهم قد جابوا كل أقسام الشرطة والمستشفيات بحثا عنك .. على كل حال الحمد لله على سلامتك .
نظرت إليه شزرا وقلت له :
- سلامة  أي سلامة هذه وبسببك قد صرت بين عشية وضحاها مجنونا .
رد علي بابتسامة عريضة قائلا :
- حاشا لله أن تكون كذلك فأنت أعقل العقلاء.. واعذرني فقد  تأخرت بالخروج إليك لأن  المدير كان باجتماع والأوراق التي كنت  أحملها لم يكن لأحد غيره الحق بأخذها ولأنه كان باجتماع انتظرت حتى أذن لي بالدخول عليه .. وبعد خروجي إليك لم أجدك في السيارة فأعتقدت أنك مللت انتظاري وذهبت لبيتكم .. لكن حين  آويت إلى فراشي متأخرا  سمعت ضوضاء وجلبة بالحي ..فقمت بإطلالة  من شرفة بيتي بالطابق الثاني لأرى مصدرها فعلمت أنك لم تعد للبيت منذ خروجك عصرا ، فخطر لي خاطر أنه ربما أخطأ الممرضون  واعتقدوا أنك من هؤلاء الذين أوصلهم للمستشفى بين الفينة والأخرى ، فكتمت عن أهلك أنك كنت بصحبتي .. ريثما أتأكد من صدق حدسي .
وتحت إصراره ركبت معه سيارة المستشفى للمرة الثانية  مرغما فهو يقضي بها جميع مآربه شأنه شأن المسؤولين عندنا .. ولا يضع فيها ولوقطرة بنزين من ماله الخاص ..وأصبح بعد هذه الحادثة كلما رآني يقول لي مازحا :
- ألا أوصلك معي حيث أنت ذاهب .
فأجيبه :
- كلا يا جاري مسعود .. أفضل أن أقطع الكيلومترات زحفا على بطني على أن أركب معك .
وبقي الأب يضحك في هستيريا ويقول :
- هذه  حكايتي مع هذه المستشفى يا بنيتي الحبوبة هاجر.
فجاءه صوت جهوري أيقظه من مما هو فيه :
- أنا سفيان يا أبي ولست هاجر ..ألم تلد غيرها ..كيف أمكنها أن تملك كل كيانك وتفكيرك ..  لقد مضى على ذهابها لبيت الزوجية ما يقرب  الستة أشهر وأنت ما زلت تراها فينا  ..ومع ذلك أعذرك يا أبي لأني  رأيت اهتمامها بك يفوق الوصف
 وما كاد سفيان ينهي كلامه حتى تناهى إلى سمعه أبواق السيارات التي تحثهم على السير...فنظر إلى والده ليقول له ألا ترى أنك توقفت وسط الطريق  ..إذا بوالده  يسبقه في الحديث ويقول له :
- كأنني ما سمعت أبواق السيارات قبلا يا بني .
ثم انطلق مسرعا بعد أن قبل رأس ابنه سفيان .
محمد الرحالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الشاعر عبدالحميد الباجلاني يكتب لنا

  بالشعر انصح مؤمنا توابا ان النصيحة تفتح الالبابا قصيدة .. افسح لنفسك وافتح الأبوابا واخفض لجنبك لا تردك طلابا افسح لنفسك  وانزع الاعجابا ف...