الثلاثاء، 15 أكتوبر 2019

الشاعرة المبدعة الأديبة .. منى البريكي / تكتب انتصار على شفير الضياع / تحياتي

"انتصار على شفير الضياع"   
كاد شبابها يذهب أدراج رياح بطالة ألقمتها ذل سؤال والديها؛و هي فتاة تجاوزت عقودا ثلاثة توجتها بعدة أطر مزخرفة أحاطت شهادات نجاح و تفوق علقت بصدر البيت. و كأنما حصدتها فقط لتتباهى بها أمها أمام الأقرباء و الجيران.فقررت انتصار  قبول العمل كمنسقة في أكبر مؤسسة ثقافية بالمدينة بعد وساطة من صديقتها لدى والدها مالك الدار لما عرفته عنها من ولع بضروب الشعر و الأدب و الفنون.
كان وجعها يتردد في غضون آهات متلاحقة ترسلها زفرات حارة و هي تجتهد في عملها آناء الليل و أطراف النهار؛ عسى أن تظفر بتقدير أو ترقية من ولي نعمتها لكن دون جدوى.فقنعت براتب شهري لا يفي بحاجياتها في انتظار معجزة حصولها على وظيفة تتناسب و طموحاتها بعد أن سئمت المشاركة في المناظرات الوطنية لسنوات متتالية.
ذات صباح؛ و ما إن دخلت مكتبها حتى جاءها خبر انتقال رئاسة الإدارة للإبن البكر لرب العمل بعد وفاة والده إثر أزمة قلبية مفاجئة منذ أسبوعين.تجاهلت الأمر خصوصا و أنه كان عليها تحرير كلمة تأبين للفقيد لتلقيها ليلا أمام الأصدقاء و الموظفين في حفل تنصيب المدير الجديد. و عند استراحة الغداء خرجت الى المطعم المقابل للمؤسسة فوجدته يعج بزملائها الذين لا حديث لهم إلا عن الاحتفالية التي ستخرجهم من رتابة اليومي المعتادة.اتجهت صوب كرسي  واحد شاغر و جلست قبالة شاب متجهم القسمات يلوك قضمة  خبز دون أن يعيرها انتباهه و الطبق أمامه مليئ بالطعام.
نظرت إليه باستغراب و سألته:
-"ما الذي يحزنك و كأنما يجثم على أنفاسك طائر الموت؟"
فرد دون أن يكترث بالنظر إليها قائلا:
-"لو انتبهت إلى هندامك أكثر من اهتمامك بالغير لكنت الآن زوجة أيتها العانس المتطفلة."
ثم قام و خرج غير عابىء بوجوم وجهها الذي علاه الشحوب و غبش صدمة سرعان ما تجاوزتها و هي تتمتم ساخطة:
-"يالك من مغرور!عجبا كيف تسنى لك أن تعرف عدم ارتباطي و أنت تنظر في الفراغ بعينين زائغتين؟ "
كانت الساعة تشير الى السابعة مساء حين دخلت انتصار
قاعة الإحتفال و هي في كامل أناقتها. بعد أن صبغت  شعرها بلون حبات القهوة.وشدته إلى  أعلى بسفيفة استعارت حمرتها من  شفتيها و أظافر أصابعها الرقيقة. و ارتدت فستانا أسود يليق  ببياض بشرتها أكثر مما يليق بالمناسبة.فكانت تتدفق أنوثة و هي تبتسم للحاضرين الذين أتوا من كل صوب وحدب و كأنهم في يوم الحشر.
 استجمعت رباطة جأشها و هي تعتلي المنصة لتلقي كلمة الافتتاح التي كتبتها أثناء انتظار دورها عند الحلاقة.و انبرت تقول بصوت متهدج:
-“  إني لأعزيكم  و أعزي نفسي قبلكم في هذا المصاب الجلل .و إن ما يثلج صدري أن أيام عملي مع المرحوم – أو ما عشته  و ما تعلمته منه  من إخلاص  في العمل و جد و مثابرة : أعني كل الدروس التي استخلصتها المرة تلو الأخرى، عندما يساعد كاتبا مبتدئا، بينما أبقى مندهشة لتصرفه و احتفاظه بكتب لم يغنم منها مليما واحدا ، ثم سعيه الدؤوب لنشر القيم و إيصال الفن و الأدب الى شباب المناطق النائية في أقاصي البلاد  – هي كل  ذكرياتي مع رجل فذ و مثقف أشوس كان رئيسي  و معلمي و ملهمي . و إنني أسأل الله أن يلهمنا الصبر و يعوضنا خيرا في سلفه؛ابنه المثقف ،المتقد نشاطا و حيوية ليكون أفضل من يواصل مسيرة أبيه.و أدعوه الآن و بكل لطف إلى كلمة يلقيها  أمام ضيوفه الكرام.”
و ما إن أنهت كلامها حتى اشرأبت الأعناق  نحو شاب وسيم؛ يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء؛يقترب منها واثق  الخطوات و هو يبتسم للجميع.و ما أن التقت الأعين  حتى سرت قشعريرة في كامل جسمها و أحست بقلبها ينتفض بين جوانحها كمن أصابته حمى ارتجفت لها أوصاله.و همست في سرها:"حنانيك يا ربي. إنه  الشاب الحزين الذي التقيته منذ ساعات! لا شك أنه سيقيلني."
ناولته المصدح و أرادت النزول لكنه استوقفها بجانبه و هو يهمس :"كنت سأطردك  اليوم؛ حين رأيتك كالمتسولة. اما الآن فقد انقلبت الموازين.صدق من قال" تكلم لأراك".اعتبري نفسك من هذه اللحظة مساعدتي ومديرة مكتبي."
بقلمي :منى البريكي/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الشاعر عبدالحميد الباجلاني يكتب لنا

  بالشعر انصح مؤمنا توابا ان النصيحة تفتح الالبابا قصيدة .. افسح لنفسك وافتح الأبوابا واخفض لجنبك لا تردك طلابا افسح لنفسك  وانزع الاعجابا ف...