الثلاثاء، 13 أكتوبر 2020

محي الدين الحريري

 شجرة الزنزلخت

                            أواسط / 1999

      في بيتنا القديم كنّا نسكن حوالي خمس عائلات ، أعمام وأخوال وعمات  وكـان الـبـيـت ( بيت  العائله ) كـبـيـراً  يسعنا   جميعا .. وكـان في الدار  قبور أجدادنا ، مـنذ جـيلين  تـقريباً ويـوجد مسجد واسـع  تـعلوه قــبةٌ مـن الطراز الــرومـاني  ومـصلىٰ .. علـىٰ جـانــبيه عمودين  من الرخام . ويـمكـن إقــامـة  الصلاة لمن شاء ذٰلك

  هذين العمودين كانا متأثرين بعوامل الزمن وقد قمنا  باستبدالهما بـعمودين حجريين أثـنـاء الـترميم  الًـذي قـمـنـا  به  أنـا وبعضٌ مـن أبناء عمومتي مــع بعض  عمال البناء المتبرعين مشكورين.

  كان في البيت ثمة شجرة معمرة من ( الزنزلخت ) ، وكان الجميع  يـقصون  عـنـها  الـقصص .. ويـنسجون حـولـها  الـحـكـايـا  والأقـاويـل .

في الصيف ، كانت   تعتمر  ثوبا أخضر  داكناً وتـزهر  بأزاهير  ليلكية  وبـيضاء   تفوح  منها رائحة جميلة ومنعشة .

   وفي  الشتاء ، كانت تتعري  لتغتسل  بـماء  الـمطر  وأحيانا   بثلوج الشتاء.

     من قَبيلِ مايُروىٰ عنها أنّ  رائحتهـا تطـرد  الـحشرات والـشياطين  ، وقــد ثبت علميا الأمـر الأول . ويـقـولون أنّ قِـدَمها قِـدم الـبـيـت . وأنـها عـاصـرت وضع لبناته الأولىٰ وكانت تظلل أرواحَ أجدادنا وقبورهم . في نفس الدار ..

    كـنت وأقـراني  مـن صبيان وبـنـات  نلـعب دائمـا حول  هذه  الشجرة  وكنا  نكلمها  وتكلمنا كُـلٌّ بـطريقته الـخاصة وكـنـت  أعـتقـد أنّـي خيـر  من يفهمهـا وتـفـهمه فـعنـدما أصعَـد عـليها لأربـط أُنشوطةً لحبال الأرجـوحة كانت تقول  لـي لا  لا . . لاتربط  لهذا  الغصن فإنه  ضعيـف ، واربـط  إلـىٰ  الآخـر ،  فـهـو  أقوىٰ ، أو هـكذا كان يخيل إليّ وكنت  أنــجـح  فـي صـنـع الأرجـوحـة ، وإذا حدث وانقطع  الحبل يوما ما أو وقـع  أحدنا ..  وهـذا  كثيرا مايـحدث كنت اسمعها تردد  معنا ، ألله .. ألله فتَرانا بَعدها مباشرةً نقفُ سالمين . 

عنـدما كنت أتـسلق  الشجرة متفاخراً بشجـاعـتي ومـتبـاهياً  أنـظـر  خـلسة    إلـىٰ قـريبـاتي  ، مـحـاولا استـشفــاف  رأيــهـن َّ، وكـنت  أتـباهـىٰ بإعجابهن  .

     مـرَّت فـترة قـبل أن تَـرحل عـمتي  وأولادهـا  الـىٰ مـسكـن آخــر بـسبــب تحسن سُبـل المعيشه لـديهـا ، وبسبب نـمو العائله  وكبرها.. عندهـا وبحديث مميز مع الشجرة : قـالت لـي بـتشاؤم  كلُّكم سترحلون..! ويـومـا  مـا سأبـقىٰ  وحيدة ..وفعلا  هذا الـذي حصل فقد رحلت عـائلـةُ عـمّي بــعـدهـا بـفـتــرةِ بـسيطة .. ثـمّ انـتـقلنـا نـحن وبـقـيت الـدار فـارغة إلا مـن بـعض مـن يشاء زيارة قبور أجـدادنا أو لقراءة الفاتحة عـلـىٰ أرواحـهـم  ، أو للـصلاة .

  توالت  السنين وكبرت وحصلت علىٰ الشهادةِ الثانوية ، بـعدها ذهبت  للعمل فـي وظيفة فـي دمشـق .  ثـم قــرّرت  السفر إلـىٰ الـخارج ( بلغاريا  )  لإتـمام  دراستي كمهندس .

 .   أذكـر قبيْل السفر أنـي ذهبت إليها مـودعـا .. وربـمـا لـوداع البـيـت الـذي نشأنـا فـيه وكـان مـرتع صبـانـا ..

    جلست  فـي ظلـها  واتكأت بظهري اليها ورحت أُحدثها  مودعا  ..  وطبعاً كـان  أهلـي آخـر  الـراحلين . ضَمـمـت بشوق جذعها  ،  وكان  رطبا  في  هذا  الحرِّ اللاهب .فشعرت حينها أنها كانت   تـبكي  ولـم استـطـع مغـالبـة دمـوعـي  وبكيت أيـضـاً  .

       قلت لها سأشتاق إليك ولم أعرف أنذاك أنّي .كـنـت أبـكـي طفولتي التي كثيراً ماسأشتاق الـيـهـا ..

      بـعـد عـدة سنين عدت في إجـازه وكـان اشتيـاقي لـهـا عـظيما ، وذهبـت مـباشرةً لـزيارتـها  ،  وبـعيونٍ  دامـعـة سلّـمـتُ. عـليها  وقبلتها  وكانت رطبة أيضا  لذا شعرت أنها كانت تبكي .

     وبـدأنا بـعـدهـا الـحديـث ،  لــست أدري مـن  كــان  يـسال ، أنــا أم  هــي  واستعرضنا  كل الأطفال الذين  كـانوا يـلـعبون حـولها ، وفي ظلِّـهـا وخـاصةً ( قريباتي بنات عمتي وعمي) .

    ثمّ أخذت دلوا من الماء ..  ورويتها فشعرتُ بـهبّـة أريج فـاح مـن زهـرها ، وكـأنًـها تـشكرنـي علـىٰ الـماء .

    ودعتها ٱنذاك بعيون دامعة وعرفت وقتها أنـي أودع طفولتي وإلىٰ الأبد ..

.    مضت سنـين تـخرجـت وتزوجت وصار عـندي اولاد وخـطر  ..  لـي أن أعرف  أولادي عليها ، ورحنـا لزيارتهـا 

    الغريب أنـي شعـرتُ أنـهـا نسيتني ، وراحت تـكلم أولادي بلغة لـم  يـفهمها  غـيـري .. وراحــت تــوجــه الــحديـث  للأطفال وكأنها تكلمني  أو  تكلم أبناء عـمومتي عـنـدما كـنّا أطـفـالاً عـنـدها عـرفت أنها كانت شغـوفة بالأطفـال .

    ومرة أخرىٰ  شعرت  أنّي فــارقــت طفولتي  إلىٰ غير رجعة .. 

وشعرت أنـني بـحـاجـة مــاسة للـبـكاء فبكيت  .. ولكنّي في هذه المرّة بكيتُ نفسي ولربما طفولتي أيضا .

                     محي الدين الحريري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الشاعر عبدالحميد الباجلاني يكتب لنا

  بالشعر انصح مؤمنا توابا ان النصيحة تفتح الالبابا قصيدة .. افسح لنفسك وافتح الأبوابا واخفض لجنبك لا تردك طلابا افسح لنفسك  وانزع الاعجابا ف...